التعاون

                                                                       التعاون   


إنّ التعاون ضرورة إنسانيّة، واجتماعيّة في هذه الحياة، فالمرء لا يمكنه العيش مُنفرِداً؛ إذ إنّه كائن اجتماعيّ في طبيعته، وقد وضع الله فينا الحاجة إلى أفراد آخرين لننجز معًا ما قد نعجز عنه منفردين لتمضي حياتنا وقلوبنا متآلفة وتحب الخير لبعضها، كما أمرَ الله سبحانه وتعالى عباده بالتعاوُن على أن يكون على البرِّ والتقوى، وفعل الخيرات، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).ومُصطلَح التعاون بشكل عامّ يدلُّ على العمل الجماعيّ بين الأفراد أو الجماعات في مختلف المجالات وجوانب الحياة هدفه تحقيق مَنفَعة مُتبادَلة، إذ تتعدَّد مجالات وأنواع التعاوُن؛ فهناك التعاوُن الاجتماعيّ، والتعاوُن العلميّ، والأخلاقيّ، والدفاعيّ، والأدبيّ، والحضاريّ، بالإضافة إلى التعاوُن في العبادات، وغير ذلك الكثير الكثير من الأمور التي يمكن للتعاون أن يكون حاضرًا فيها. واعلم أنّ للتعاون ثمار طيبة وفوائد عديدة تعود على الفرد والمُجتمَع بكل ما هو خيّر وحَسَن، ومنها: إنجاز الأعمال الكبيرة التي لا يقوى الفرد على إنجازها مُنفرِداً، ومواجهة الأخطار التي تُحِيط بالأفراد، بالإضافة إلى التقدُّم والنجاح في مختلف المجالات، وشعور الأفراد بالمساواة الإنسانيّة وتحقيقها، وزيادة قوَّة الأفراد، وتخليصهم من الشعور بالعجز. ومما لا شكّ فيه أنّ التعاون من الأمور التي تساعد على زيادة الأُلفة والمَحبّة بين الأفراد، والتخلُّص من الحسد، وإزالة الحقد من القلوب، واستفادة الأفراد من خبرات بعضهم البعض وتجاربهم في مُختلَف الأمور، بالإضافة إلى رَفْع الظلم عن الآخرين، وتنظيم أوقات الأفراد، وتوفير الجهد، وتقاسُم الأفراد لأعمالهم؛ ممّا يؤدِّي إلى تخفيف العبء عنهم، وزيادة تماسك أفراد المُجتمَع، وإظهار قوَّتهم،  


والتخلُّص من حبِّ الذات، والأنانيّة، إلى جانب تحقيق رضا الفرد عن نفسه؛ الأمر الذي من شأنه زيادة شعوره بالسعادة. وعلى المستوى الذي يتجاوز الفرد نفسه فإنّ التعاون أمر أساسي يساهم في تنفيذ الأعمال وإنجازها بسرعة أكبر، وتحقيق استثمار أكبر في مُختلَف الأمور، بالإضافة إلى تسريع عمليّات التطوُّر، والتقدُّم العلميّ، والتقنيّ، وتجديد طاقة الأفراد، وزيادة قوّتهم، وتحفيزهم؛ لبَذْل المزيد من الجهد، وإتقان أعمالهم، هذا ويساعد التعاون أيضًا على اكتشاف الأفراد لذواتهم، وما يملكون من طاقات، وقدرات، وخبرات كامنة، والحدُّ من الازدواجيّة في العمل، وتسهيل الأعمال وتيسيرها، فبعد هذا كلّه والآثار الحميدة للتعاون حريّ بنا أن نجعله أساس علاقاتنا مع الآخرين. ولأنّ للتعاون أهمية كبيرة وحضور واسع في حياتنا فقد اتخذ صورًا وأنواعًا متعددة، ومنها التعاون في الأعمال الجيدة والخيّرة والتي تعود على الفرد والمجتمع بكلّ ما هو مفيد، وهو النوع الذي جُبِل عليه القلب البشري ونشأ عليه وفي المقابل هناك أيضًا التعاون على الأمور السيئة والمؤذية والتي تسبب الحقد والكراهية بين الأفراد وتؤثر في تماسك المجتمعات بصورة سلبية، ويتمثل ذلك في العديد من الأمور، مثل: أخذ أموال الناس بالباطل، والاتفاق على الفئات المستضعفة في المجتمع والسخرية منها، ككبار السن والأطفال، بالإضافة إلى إهمال الواجبات في العمل، وغير ذلك من الأمور السيئة التي من شأنها إحداث خلل في منظومة العلاقة بين الأفراد. وفي الدين الإسلامي الكثير من الأمور والعبادات التي يتجلى فيها التعاون بأبهى صوره، ومن ضمنها صلاة الجماعة، وأداء مناسك الحج، بالإضافة إلى الصلوات التي تُقام وقت الشدائد، مثل صلاة الاستسقاء، فهي كلها تحث على التعاون، كما أنّ صلاة العيد فيها تعاون ومشاركة لمشاعر الفرح والبهجة، وفي التشريعات الدينية أيضًا إشارة إلى التعاون؛ ففي الزكاة والصدقات تعاون بين طبقات المجتمع المتعددة، وطريق لتحقيق المساواة بين الجميع. وفي الطبيعة ضرب الله لنا أمثلة كثيرة على مظاهر يتمثل فيها معنى التعاون بين مختلف الكائنات؛  

فمثلًا في خلية النحل تتكاتف النحلات معًا لإنجاز مهامها وتنظيم خليتها، أيما تنظيم، وهناك أيضًا تعانق حبات المطر مع بعضها بعضًا لتسقي الأرض وتُخرِج بأمر من الله سبحانه وتعالى الثمار المتنوعة التي تقتات عليها الكائنات الحية، فما أجملها من صورة طبيعية ربانية تدفع الإنسان للتفكير بأهمية التعاون في حياته والأثر الإيجابي الذي سيتركه ليعيش الجميع حياة متوازنة. وفي الختام فإنّ الحديث عن التعاون وأهميته وفضائله يحتاج إلى صفحات طويلة تُملأ بكل ما هو جميل؛ فالتعاون الحسن يعد دعامة أساسية في حياة الأفراد والمجتمعات، يخلق الاحترام والمودة بين الجميع، وثوابه سيُنال في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة أيضًا، فهنيئًا لمن يسير في حياته ناشرًا للخير والمحبة والألفة في كل مكان، ويسعى جاهدًا للعطاء ومساندة كل من يحتاج إلى المساندة والمساعدة ليجعل لحياته ولمجتمعه قيمة رفيعة. فاحرص على أن تكون ذلك الشخص المتعاون الذي يُحب الخير للجميع، وتكون مع من حولكِ كَمَن أشار إليهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف حيث قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّىّ".


 
قصص عن التعاون عندما خلق الله سبحانه وتعالى البشر جعلهم يعيشون في جماعات، وذلك لأنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعه، يحتاج إلى التواصل مع الآخرين كي يستطيع العيش، ويحتاج هذا التواصل إلى التعاون كي تتحقق الفائدة لجميع الأشخاص الذين يعيشون معاً. قصة الكتاب والحبر والريشة كان هناك كتاب قصص فارغ، بدا الكتاب رائعاً، مع غلافٍ مثيرٍ للإعجاب، لكنّ جميع صفحاته كانت فارغة، كان الناس يمسكون الكتاب بترقّب، لكنهم لم يعثروا على أيّ قصص داخله، ولذلك فقد كانوا يُلقون الكتاب جانباً. وكانت هناك محبرةٌ جميلةٌ مليئةٌ بالحبر قريباً من ذلك الكتاب، فقد نسيها صاحبها وبقيت هناك لسنوات، وفي يومٍ من الأيام ألقى أحد الأشخاص الكتاب الفارغ بجوار محبرة الحبر، فتبادلا معاً الكثير من القصص عن حظهما السيئ، وكان بإمكانهما الاستمرار لسنوات إذا لم تكن ريشة البجعة الأنيقة قد هبطت بجانبهما بعد أن سقطت من بجعة، شعرت الريشة بالوحدة لأوّل مرةٍ في حياتها، وأخذت بالبكاء، وبعد فترةٍ اقترحت الريشة فكرةً على صديقيها الكتاب والمحبرة، فقد أقنعت أصدقائها بكتابة قصةٍ في الكتاب باستخدام الحبر، وتمكّن الأصدقاء الثلاثة معاً من كتابة قصّةٍ جميلةٍ عن ثلاثة أصدقاء ساعدوا بعضهم البعض على تحسين حياتهم. دخل معلمٌ شابّ إلى المتجر الذي يحتوي الكتب واريشة والمحبرة، وقد كان حزيناً ويتساءل كيف يمكنه أن يحافظ على انتباه تلاميذه، فوجد القصص القصيرة والحبر والريشة، قرأ المعلم الكتاب ووجد القصة ساحرة، فروى هذه القصة لتلاميذه، فأُعجب التلاميذ بهذه القصص، ومنذ ذلك اليوم صار الكتاب والريشة والحبر يجتمعون معاً لكتابة قصصٍ للأطفال، ليقرأها المعلم لطلابه في اليوم التالي.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة